إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
القصيدة لَيست بناءً لغويّاً جميلاً فَحَسْب، بل هي أيضاً صرخة في وجه الظلم، ونداء للحرية، ومرآة تعكس آلامَ البشر وآمالهم. والشاعر الحقيقي لا يكتفي بوصف العالَم،بل يسعى إلى تغييره، ويجعل من صوته امتداداً لأصوات الذين حُرموا من حق الكلام.
مِن بين أهم الشعراء الذين حملوا هَمَّ الإنسان، وجعلوا من الشعر رسالةً للتحرر والكرامة والإنسانية، يبرز الشاعر التركي ناظم حكمت ( 1902_ 1963 )، والشاعر الباكستاني فيض أحمد فيض ( 1911_ 1984 ) اللذان التقيا _ رغم اختلاف الجغرافيا والثقافة _ في الدفاع عن الإنسان المُهمَّش، والإيمان بأن الشعر يمكن أن يكون قوة تقاوم الاستبدادَ، وتوقظ الضمائرَ.
عاش حكمت في بيئة مضطربة سياسيّاً واجتماعيّاً، وشهد التحولات العنيفة التي عرفتها تركيا في القرن العشرين. ولم يكن شاعراً منعزلاً في برجٍ عاجيٍّ، بل انخرط في قضايا شعبه، ودفع ثمنَ مواقفه سجناً ونفياً وحرماناً. لذلك جاءت قصائده مشبعة بصوت العمال والفلاحين والمظلومين، الذين وَجد فيهم جوهرَ الإنسانية الحقيقية. لم يكن يتحدث عنهم من بعيد، بل كان يتحدث معهم وباسمهم، حتى أصبحت قصيدته وطناً لكل مَن سُلب وطنه، وأملاً لكل مَن حاصره اليأس.
في المقابل، عاش فيض تجربة مشابهة في شبه القارة الهندية، حيث شهد آثارَ الاستعمار والانقسام والصراعات السياسية والاجتماعية، فآمنَ بأن الشعر لا يكتمل إلا إذا انحاز إلى الإنسان المقهور، وجعل من الكلمة جسراً يصل بين الحب والثورة، وبين الجمال والعدالة. وقد استطاع أن يمنح المُهمَّشين لغة جديدة، لا تقوم على الشكوى وحدها، بل على الإيمان بأن الفجر لا بد أن يُولَد من رحم الليل، وأن الحرية _ مهما تأخرت _ ستنتصر في النهاية.
المُهَمَّشُ في شعرهما لَيس فرداً معزولاً، بل هو رمز لكل إنسان سُلب حقه في الحياة الكريمة. الفقيرُ، والعامل، والسجين، والمنفي، واللاجئ، والمرأة المُضطهَدة، جميعهم يحضرون في قصائدهما بوصفهم وجوهاً متعددة لمعاناةٍ إنسانية واحدة. ومِن هُنا تجاوزَ شعرُهما حدودَ الوطنية الضيقة ليصبح شعراً إنسانيّاً عالميّاً، يخاطب الإنسانَ أينما كان، مهما اختلفتْ لغته أو ثقافته.
مِن أبرز ما يُميِّز تجربة حكمت أنَّه منح البسطاءَ مكانة الأبطال، فلم يكن المجد في نظره حكراً على القادة أو الزعماء، وإنما كان للعامل الذي يكدح في المصنع، وللفلاح الذي يزرع الأرضَ، وللأم التي تنتظر ابنَها المُعتقَل، وللطفل الذي يحلم بغد أفضل.
أعادَ تعريفَ البطولة، وجعلها مرتبطة بالعمل والصبر والمقاومة، وليس بالقوة والسُّلطة. لذلك جاءت لغته واضحة، ونابضة بالحياة، وبعيدة عن التعقيد، حتى تصل إلى عامة الناس قبل خاصتهم.
أمَّا فيض، فقد امتلكَ قدرةً فريدة على الجمع بين الرقة الثورية والعمق الإنساني، فهو يبدأ قصيدته أحياناً بلغة الحُب، ثم يتحوَّل هذا الحُب تدريجيّاً إلى حُب الوطن والناس والحرية، وكأن العاطفة الفردية لا تكتمل إلا عندما تصبح عاطفةً جماعية. لذلك لم يكن شعره خطاباً سياسيّاً فَحَسْب، بلْ أيضاً كان تجربة وجدانية تجعل القارئ يشعر بأن قضية المظلومين قضيته الشخصية، وأن الألم الإنساني واحد مهما اختلفت الأمكنة.
ولئن اختلفت الأساليب الفنية بين الشاعرَيْن، فإنهما يلتقيان في الإيمان بأن الشعر موقف قبل أن يكون صناعة لفظية. الصورةُ الشعرية عندهما لم تكن غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لكشف الحقيقة، وإثارةِ الوعي. كما أن الموسيقى الداخلية في قصائدهما جاءت من صدق التجربة أكثر مما جاءت من الزخرفة البلاغية، فكانت الكلمات تنبض بالحياة، لأنها خرجتْ مِن مُعاناة حقيقية، ولَم تخرج من خيالٍ مُجرَّد أو وهمٍ ذهني.
تعرَّضَ حكمت وفيض للسجن والملاحقة بسبب أفكارهما، لكن السجن لم يكسر إرادتهما، بل زاد قصائدهما إشراقاً وإيماناً بالحرية. وقد أثبتا أن الجدران تستطيع أن تحاصر الجسدَ، لكنها لا تستطيع أن تسجن الفكرةَ، أو تمنع القصيدةَ من الوصول إلى الناس. وهكذا تحوَّلت تجربتهما الشخصية إلى تجربة إنسانية عامة، وأصبحا رمزَيْن للمقاومة الثقافية في مواجهة القمع.
ولم يقتصر تأثيرهما على عصرهما، بل امتدَّ إلى أجيال متعاقبة من الشعراء والمثقفين الذين وَجدوا في تجربتيهما نموذجاً للشاعر الملتزم بقضايا مجتمعه. وقد أثبتا أن الأدب الحقيقي لا ينفصل عن الإنسان، وأن الكلمة التي لا تنحاز إلى الحق، تفقد كثيراً من قيمتها. كما أن حضورهما في الأدب العالمي يؤكد أن الشعر الصادق قادر على تجاوز الحدود السياسية واللغوية، ليصل إلى وجدان الإنسانية كُلِّها.
إنَّ صوت المُهمَّشين في شعر حكمت وفيض ليس مُجرَّد موضوع شعري، بل هو رؤية أخلاقية وإنسانية للعالَم، فقد آمنَ الشاعران بأن الإنسان _ مهما كان فقيراً أو ضعيفاً _ يمتلك كرامة لا يجوز انتهاكها، وأن العدالة ليست حُلْماً مستحيلاً، بل هي حَق ينبغي أن تناضل الشعوب من أجله. لهذا بقي شعرهما حيّاً، يتردد في كل زمان يشهد ظلماً أو استبداداً، ويمنح الأملَ لكل مَن يبحث عن الحرية والكرامة.
المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة