إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
ليست ترجمة الشعر عملية نقل كلمات من لغة إلى أخرى، أو مهارة لغوية تُقَاس بمدى قدرة المترجم على العثور على مقابل عربي لكل مفردة إنجليزية. الترجمة الشعرية مسؤولية تجاه المعنى والإيقاع والصورة والنبرة والبناء، والعلاقاتِ الدقيقة التي تجعل القصيدةَ عملاً فنيّاً متماسكاً لا مجموعة من العبارات المنفصلة.
وحين يتعلَّق الأمر بقصيدة مِثل "الأرض اليباب" ( 1922 ) للشاعر الأمريكي البريطاني تي إس إليوت (1888_ 1965 )، والتي ترجمها الناقد المصري الدكتور لويس عوض ( 1915_ 1990 ) إلى اللغة العربية بعنوان "الأرض الخراب" عام 1968، فإن هذه المسؤولية تصبح أكثر تعقيداً، لأن النص لا يقوم على معنى واحد مستقيم يمكن استخراجه ثم إعادة صياغته، بل يتشكل من أصوات متداخلة، وتحولات مفاجئة في النبرة، وإشارات ثقافية ودينية وأدبية، وشظايا لغوية تتجاور من غير أن تفقد توترها أو وظيفتها داخل الكُل الشعري.
ينبغي النظر إلى ترجمة لويس عوض بوصفها نصّاً عربيّاً مستقلّاً يخضع للمساءلة، وليس بوصفها عملاً مُحَصَّناً باسم صاحبه أو مكانته الثقافية. الترجمةُ، مهما كان صاحبها واسع المعرفة أو نافذ التأثير، لا تكتسب صحتها من سُمعة المترجم، ولا تصبح اختياراتها سليمة لمجرَّد أنها صدرت عن مثقف بارز. الذي يحسم الأمرَ هو النص نفسه، هل حافظت العربية على دلالات الأصل؟، وهل استطاعت أن تنقل حركةَ القصيدة وتوترها أمْ تدخلت فيها حتى جعلتها تقول شيئاً آخر؟.
يمكن تحديد مواطن الخلل التي ينبغي مساءلة الترجمة عنها، وبيان المعايير التي تكشف قصورَها حين تنحرف عن الدلالة، أو تضعف البنية الشعرية، أو تفرض على النص ما لا يحتمله.
1_ الخلل في فهم العنوان قبل الدخول إلى القصيدة.
يبدأ امتحان الترجمة من العنوان، لأن العنوان ليس لافتة خارجية يمكن التساهل في اختيارها، بل هو مفتاح أوَّلي يُوجِّه القارئ إلى العالَم الذي سيدخله. والعنوان يضع المترجمَ أمام مشكلة دلالية حقيقية. هل المقصود أرض قاحلة أمْ أرض خربة أمْ أرض فقدتْ قدرتها على الإخصاب والحياة أمْ فضاء حضاري وروحي استنفدَ إمكانياته؟.
إن اختيار "الأرض الخراب" ليس خطأ لغويًّا تلقائيًّا، لكنه ليس اختياراً مُحَصَّناً من النقد أيضاً. كلمة "الخراب" تستدعي في العربية معنى الدمار والانهيار، بينما تُوحي"اليباب" بالجفاف والعُقم وانقطاع النمو. والفرق ليسن شكليّاً، لأن القصيدة تتحرك بين الأرض والموت والخُصوبة والذاكرة والتجدد، ولا تحصر أزمتها في مشهد مادي لخراب المكان.
المشكلة تبدأ حين يتعامل المترجم مع العنوان بوصفه مقابلاً معجميّاً كافياً، من دون أن يسأل عن مقدار ما يفتحه من احتمالات، وما يغلقه منها. العنوان الناجح لا يشرح القصيدةَ مسبقاً، ولا يختزلها في تفسير واحد، وإنما يضع القارئ أمام توترها الأساسي.
2_ خطر تحويل الغموض الشعري إلى غموض لغوي.
أحد أخطر مواضع الضعف في ترجمة "الأرض اليباب" هو التعامل معَ غموضها كما لو كان مجرد صعوبة في الفهم. القصيدةُ لا تكون غامضة لأنها مكتوبة بلغة معقدة فحسب، وإنما لأن طريقة بنائها تقوم على التقطيع والتجاور والتعارض وتعدد الأصوات، ولأنها لا تمنح القارئ دائماً علاقة واضحة بين كل صورة وما يليها.
هُنا يقع المترجم أمام اختبار حاسم. عليه أن يحافظ على الغموض الذي صنعه إليوت، لكنه لا يملك أن يضيف إليه غموضاً آخر ناتجاً من سوء اختيار المفردات، أو اضطراب التركيب، أو سوء فهم العبارة.
إذا كانت الصياغة العربية لا تسمح للقارئ بتحديد العلاقة النحوية بين الكلمات، أو تجعل الضميرَ ملتبس المرجع على نحو لا يفرضه الأصل، أو تُحوِّل الصورةَ إلى تركيب غير مفهوم، فهذا خلل كبير في النقل. ولا يجوز للمترجم أن يتخذ تعقيدَ النص الأصلي ستاراً يحتمي وراءه من المساءلة.
3_ دقة المفردة ليست تفصيلاً ثانويّاً.
في الشعر، قد تكون المفردة الواحدة مسؤولة عن بناء صورة كاملة، وقد يؤدي استبدالها بمقابل قريب إلى تغيير المشهد من أساسه. الترجمة لا تُختبَر بمجرَّد أن تكون الكلمة العربية صحيحة في ذاتها، إنما تُختبَر بمدى ملاءمتها للكلمة الأصلية في سياقها المحدد.
قد يكون للمفردة الإنجليزية أكثر من معنى، وقد تتغير دلالتها باختلاف الزمن الذي تنتمي إليه، أو المتحدث الذي يستخدمها، أو النبرة التي تَرِد فيها. والمترجمُ الذي يختار المقابل الأكثر شيوعاً من غير أن يفحص هذه العلاقات قد ينقل المعنى العام، لكنه يفقد الدقة التي تجعل صورةَ إليوت الشعرية مختلفة عن أية صورة أخرى.
والمشكلة هي أن يختار المترجمُ كلمة تُغَيِّر طبيعة الشيء الموصوف، أو تنقل الفعلَ من حالة إلى أخرى، أو تُحوِّل علاقةً نفسية إلى علاقة مادية، أو تضيف حُكماً لا يتضمنه النص. وقد يبدو الفرقُ بين مفردتين ضئيلاً لمن يقرأ القصيدةَ قراءة سريعة، لكنه حاسمٌ في بنائها.
والقصيدة التي تتعامل معَ الجفاف والخصوبة والموت والذاكرة لا تحتمل التساهلَ في المفردات المرتبطة بهذه المجالات، لأن شبكة المعاني تتكوَّن من تراكمات دقيقة، وليست فكرة عامة يمكن استعادتها بكلمات متقاربة. وإذا كانت الترجمة تستبدل هذه الدقة بمرادفات تقريبية، فإنها تجعل النص مفككاً وفوضويّاً، حتى لو ظلَّت كل جملة منفردة مقبولة في العربية. هُنا تحديداً ينبغي أن يتَّجه النقدُ إلى السؤال عن وظيفة الكلمة داخل القصيدة، وليست سلامتها المعجمية فقط.
4_ الصورة الشعرية حين تفقد علاقاتها الداخلية.
لا تكمن قوة الصورة الشعرية في الأشياء التي تذكرها فحسب، وإنما في الطريقة التي تربط بها تلك الأشياء بعضها ببعض. قد تكون الصورة بسيطة من الناحية اللغوية، لكنها تكتسب أهميتها من موضعها، وعلاقتها بما يحيط بها.
في "الأرض اليباب" لا تعمل الصور بوصفها زخارف مستقلة يمكن نقل كُل واحدة منها بمعزل عن الأخرى. إنها تدخل في شبكة من التحولات والارتدادات، بحيث تستدعي صورةٌ صورةً أخرى، ويعود معنى سابق في هيئة مختلفة، ويكتسب المشهد اللاحق دلالته من احتكاكه بمشهد سابق.
وحين يختار المترجم مقابلات عربية تحفظ الأشياءَ الظاهرة في الصورة، لكنها تُضعف العلاقة بينها، فإنه يكون قد نقل مفردات المشهد، ولم ينقل المشهدَ نفسه. وحين يضيف تفسيراً إلى الصورة، أو يُغَيِّر طبيعة العلاقة بين عناصرها، فقد يدفع القارئَ إلى تصور مختلف عن التصور الذي يتيحه الأصل. هذه مشكلة جوهرية، لأن ترجمة الصورة لا تعني استبدال الاسم الإنجليزي باسمه العربي، بل إعادة بناء العلاقة التي تنشأ داخل العبارة. فإذا كانت الصورة قائمة على التناقض، فلا ينبغي تسويتها في عبارة متجانسة. وإذا كانت تعتمد على مفاجأة دلالية، فلا ينبغي جعلها مألوفة أكثر مما هي عليه. وإذا كانت تَجمع بين عناصر متباعدة، فلا يصح تقريبها إلى الحد الذي يزيل التباعدَ الذي يمنحها قوتها.
5_ الأصوات المتعددة ومشكلة تسوية النبرات.
من أهم ما يُميِّز قصيدة إليوت أن المتكلم ليس صوتاً واحداً مستقرّاً يتحدث من بداية النص إلى نهايته. تتبدل الأصوات، وتتغير المواقع النفسية والاجتماعية للمتكلمين، وتتجاور لغة مثقفة معَ لغة يومية، وتظهر نبرات ساخرة أو مأزومة أو مبتذلة أو تأملية من دون أن تفقد القصيدةُ وحدتها العامة. وهذا التنوع ليس مسألة شكلية. إنه جزء من رؤية إليوت لعالَم منهار فقد تماسكَه، وأصبحت خبرته مُوزَّعة بين أصوات وتجارب لا تنسجم في خطاب واحد.
إذا أعاد المترجم صياغة هذه الأصوات جميعاً بلغة عربية متقاربة المستوى، فقد يظل المعنى العام مفهوماً، لكنه يكون قد أضعفَ إحدى أهم خصائص القصيدة. فالصوتُ الذي يتحدث بلهجة اجتماعية يومية لا ينبغي أن يبدو كأنه يردد تأملات شاعر متفرغ للتفكير الفلسفي، كما أن الصوت الذي يَحمل نبرةً احتفالية أو طقسية لا ينبغي أن يفقد خصوصيته داخل لغة عادية لا تُميِّزه عن سائر الأصوات.
ينبغي أن يجد المترجم في العربية فروقاً حقيقية في النبرة والمستوى والتكوين، وليس أن يجعل الشخصيات تتحدّث جميعاً بصوت واحد، ثم يكتفي بتغيير مضمون كلامها. وتسويةُ النبرات تُضعف بناءَ القصيدة، لأنها تجعل الانتقالَ من صوت إلى آخر أقل وضوحاً، وتُحوِّل التعددَ إلى تنويع لفظي محدود. وعندئذ يخسر القارئُ الإحساسَ بالتصدع الذي تقوم عليه التجربة الشعرية.
6_ العاميَّة والفُصحى والسِّجل الاجتماعي للكلام.
ليست كُل عبارة في القصيدة مُطالَبة بأن تبدو شعرية بالمعنى العربي التقليدي. إليوت يستخدم الكلامَ اليومي، ويستثمر اختلافَ مستويات اللغة، ولا يتعامل معَ المفردات الرفيعة باعتبارها شرطاً دائماً للشعر. لذلك فإن نقل قصيدته إلى العربية الفصيحة المُوحَّدة والمصقولة أكثر مما ينبغي قد يُنتج نصّاً سليماً، لكنه لا يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها الأصل.
والخطر هُنا مزدوج. إذا رَفَعَ المترجمُ مستوى الكلام اليومي، فقد محا الفرقَ بين اللغة التي تكشف تفاهة الحياة اليومية واللغةِ التي تتَّجه إلى التأمل أو الرمز. وإذا خَفَضَ اللغةَ الرفيعة بلا ضرورة، فقد أضعفَ التوترَ بين مستويات الكلام.
وخروج الترجمة بلغة عربية متجانسة أكثر مما يحتمل النص، يجعل القصيدةَ تبدو وكأنها كُتبت في مناخ لغوي واحد، معَ أن تعدد المناخات جزء من هندستها. وإذا بالغت الترجمة في صناعة الفروق، فقد تُحوِّل الاختلافَ الاجتماعي إلى استعراض لغوي لا يخدم الأصلَ.
7_ التناص ليس حشداً من الأسماء والاقتباسات.
تستند "الأرض اليباب" إلى تراث أدبي وثقافي واسع، وتدخل في حوار معَ نصوص وأساطير وأصوات من عصور ولغات مختلفة. غَير أن الإحالات في هذه القصيدة لا تؤدي وظيفة توثيقية بحتة، ولا تقتصر على استعراض معرفة الشاعر بالموروث. إنها تتحوّل داخل القصيدة إلى عناصر فاعلة في تشكيل المعنى.
قد يستدعي إليوت نصّاً سابقاً لكي يعيد إنتاجَ دلالته، أو يَقْلبها، أو يجعلها تتصادم معَ واقع حديث، أو يكشف المسافة بين ذاكرة ثقافية ممتدة وحياةٍ فقدت اتصالها بما يمنحها المعنى. لذلك فإن نقل الإحالة من دون فهم وظيفتها لا يكفي، حتى لو نُقِلَ اسم الشخصية أو عنوان النص أو العبارة المُقتبَسة بصورة صحيحة.
والترجمة الحرفية ليست ضماناً للأمانة حين تكون العبارة مُقتبَسة من سياق آخر، لأن معنى الاقتباس لا ينحصر في الكلمات التي يتكون منها. إنه يتضمن ذاكرة النص السابق، وطريقة حضوره في النص الجديد، وما ينشأ عن هذا الحضور من توتر أو مفارقة.
8 _ الاقتباسات الأجنبية بين النقل والتفسير.
تتضمن القصيدة مقاطع وعبارات من لغات متعددة، ويختلف أثر كُل منها باختلاف سياقها. ووجودُ عبارة بلغة أجنبية قد يكون جزءاً من بنية الصوت، أو يشير إلى انتماء ثقافي، أو يُحدِث انقطاعاً مقصوداً في تدفق القراءة، أو يضع القارئ أمام مسافة بين لغته واللغةِ التي يسمعها. ولا توجد قاعدة واحدة تصلح لجميع المواضع، وإنما توجد قرارات يجب فحصها في ضوء السياق.
9_ الإيقاع لا يمكن اختزاله في الوزن.
قد يظن البعضُ أن الترجمة تنجح متى حافظت على المعنى، حتى لو فقدت الإيقاعَ. لكن هذا التصور لا يكفي في التعامل معَ "الأرض اليباب"، لأن إيقاعها ليس زخرفة يمكن الاستغناء عنها من دون أن تتغير طبيعة النص. الإيقاعُ هُنا مرتبط بتبدلِ الأصوات، وطُولِ العبارة وقصرها، والتكرارِ، والتوقفِ المفاجئ، والانتقالِ بين مقاطع ذات نبرة مختلفة. إنه طريقة القصيدة في الحركة، وليس مجرّد انتظام موسيقي خارجي. والترجمة العربية التي تجعل كُلَّ الأسطر متقاربة في طُولها أو نبرتها تُضعِف ذلك التفاوت. كما أن الإفراط في تنميق العبارة يمنحها إيقاعاً عربيّاً مستقرّاً لا يتواقع معَ التقطُّع المقصود الذي يُميِّز الأصلَ.
والمشكلة ليست في أن تكون الترجمة موزونة أو غير موزونة، ولا في أن تحاكي القافية أو تتجنبها. المشكلة في مدى قدرتها على إعادة إنتاج الحركة الصوتية التي تخدم المعنى، فقد يكون الإيقاع منقطعاً لأن المتكلم مضطرب، أو سريعاً لأن الكلام يندفع، أو بطيئاً لأن المشهد يفرض التوقفَ. وإذا اختفى هذا التناسب، تَغَيَّرَ أثرُ القصيدة حتى لو لَم تتغيَّر دلالة الكلمات بصورة ظاهرة.
10_ التكرار الذي يفقد وظيفته حين يُعامَل بوصفه حشواً.
للتكرار مكانة مهمة في القصيدة. قد تتكرر عبارة لتصنع إيقاعاً، أو تؤكد حالةً نفسية، أو تربط مشهداً بآخر، أو تكشف تحوُّلاً في المعنى رغم ثبات الكلمات. لذلك فإن التكرار ليس مجرَّد إعادة لفظية يمكن اختصارها أو تنويعها لتحسين الأسلوب.
إذا حَذَفَ المترجمُ تكراراً يؤدي وظيفة واضحة، فهو يُضعِف بناءَ المقطع. وإذا استبدلَ العبارةَ المتكررة بمرادفات مختلفة طلباً للتَّنْويع، فسوفَ يَفْقد القارئُ إحساسَه بالإلحاح، أو الرتابة، أو الدوران الذي قصده الشاعر. والمَيلُ إلى تحسين النص في الترجمة يؤدي أحياناً إلى إفساده. فالمترجمُ الذي يشعر بأن العبارة مكررة أو خشنة أو غير أنيقة قد يميل إلى تهذيبها، لكنه بهذا التدخُّل يمحو إحدى السمات المقصودة التي تمنح القصيدةَ معناها.
11_ الانحرافات النحوية ليست أخطاء يجب إصلاحها دائماً.
تستخدم القصيدةُ انزياحات لغوية وتراكيب لا تستقر دائماً على النسق المألوف. وقد يكون اضطراب العبارة جزءاً من طريقة تقديم التجربة، وليس عيباً ينبغي على المترجم تصحيحه.
والمترجم يحتاج إلى التمييز بين الانحرافِ المقصود والتركيبِ الغريب في اللغة الأصلية. وقد يحتاج إلى إعادة بناء الجملة لكي يحافظ على غرابتها الوظيفية، وليس شكلها النحوي وحده. وإذا فسدت العلاقة بين المعنى والمبنى، فإن تفكير القارئ سيضطرب، ويسيطر التشويشُ على تفكيره.
12_ مشكلة الشرح حين يتسلل إلى الترجمة.
من السهل على المترجم أن يعتقد أنه يساعد القارئ حين يجعل المعنى أكثر وضوحاً، لكن هذه الرغبة قد تتحوَّل إلى تدخُّل يُغَيِّر طبيعة النص. القصيدةُ لا تقول كُلَّ شيء بصورة مباشرة، ولا تُقَدِّم دائماً تفسيراً نهائيّاً لعلاقاتها وصورها. وإذا أخذ المترجمُ على عاتقه إزالة كل التباس، فإنه يُحوِّل النص من تجربة شعرية مفتوحة إلى خطاب تفسيري مُغلَق.
ينبغي التمييز بين نقل المعنى وتفسيره. نقلُ المعنى يعني إعادة بناء ما تقوله العبارة في اللغة الجديدة، أمَّا تفسيره فيعني ترجيح قراءة مُعيَّنة لِمَا تقوله العبارة، أوْ لِمَا تُوحي به. وقد يحتاج القارئ إلى التفسير، لكنَّه لا يحتاج بالضرورة إلى أن يندس التفسيرُ داخل كلمات القصيدة نفسها.
إذا أضافَ المترجمُ صفة تفسيرية لا وجود لها في الأصل، أوْ جَعَلَ العلاقة بين صورتين صريحة بعدما تركها الشاعرُ مفتوحة، أوْ حَوَّلَ إيحاءً إلى تقرير، فإنه يكون قد ضيَّق مجال القراءة، ورُبَّما يفعل ذلك بنيَّة التوضيح، لكن النيَّة لا تُغَيِّر النتيجة.
إنَّ ما أقدمَ عليه لويس عوض في ترجمته لـ "الأرض اليباب" لم يكن اجتهاداً جانبه الصواب،أو عثرة عابرة في دروب الترجمة الوعرة، بل كان سقوطاً مدويّاً، فقد تعاملَ معَ إحدى أهم قمم الحداثة الشعرية الغربية باستهتار بالغ، فبدَّد رموزَها الغامضة، ومَسَخَ بنيتها الموسيقية، وحوَّل عُمقها الفلسفي والنفسي إلى نصوص باهتة ومُشوَّهة تفوح بالركاكة والسطحية، وبعيدة كُلَّ البُعد عن رُوح النص وسياقاته الثقافية وخلفيته المعرفية.
المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة