
الفصل السّادسُ
نرفُضُ أقذارَ المصانِعِ
(1)
تجمَّعَ الأولادُ صباحَ اليوم التّالي حولَ كومبيوتر يارا التي راحَتْ تبْحَثُ في الأَنترنت عن معلوماتٍ أدهشَتْهُم، كان أولُها:
ـ حتى وقْتٍ قريبٍ كانَ مفهومُ التَّقدُّمِ و التَّخلفِ في أيِّ بلدٍ مُرتبطًا بقوَّةِ الدولةِ أو ضَعْفِها في مجالِ الصِّناعةِ.
فهِمَتْ لِيا ما قرأتْهُ يارا بصوتٍ عالٍ، كذلك فهِمَ سامي. أما دانيال، فبرَمَ شفتَهُ السُّفلى و سألَ :
ـ يعني ؟
قالَت يارا :
ـ يعني يا دانيال، كانَ يُقال عن بلدٍ إنه متقدِّمٌ إذا كانَتْ صناعتُهُ قويَّةً.
فتحَ دانيال عينيْه على وُسْعِهِما و فتحَ فمَه أيضاً، ثم بلعَ ريقَهُ و قالَ :
ـ آهْ !
و لم يزدْ حرْفاً على هذا، فنظرَتْ لِيا إليه بدهشةٍ و سألَتْهُ :
ـ آهْ ؟ ماذا تعني بآهْ ؟ فهمْتَ أم لم تفْهمْ ؟
قالَ مُرتَبِكاً :
ـ طَ..طَ..بعاً فهمْتُ و لكن لم أفهمْ كلمةَ ( مُتَقَدِّمٌ ).
فشرحَ سامي :
ـ مُتَقَدِّمٌ، يا دانيال، يعني مُتَطَوِّرٌ.
قال دانيال :
ـ مُتَطَوِّرٌ ؟ آه ! مُتَطَوِّرٌ يعني... يعني.. جيدٌ ؟
قالَت يارا :
ـ أحسنْتَ.
و لما أثنَتْ على ذكائِهِ الخارقِ، ابتسمَ ابتسامةً عريضةً فسألَ من جديدٍ :
ـ و... الصِّناعةُ، ماذا تعني كلمةُ الصِّناعةِ يا...
و نظرَ إلى لِيا يسألُها :
ـ يا لِيا ؟
كادتْ لِيا تَضرِبُ وجهَهُ بقبضةِ يدِها حتى يَدخُلَ أنفُه فيصبحَ في مُستوى عينيهِ و فمِهِ، لكنَّها لم تفعلْ لأنه صديقُها و ابنُ حارتِها و قريتِها، بل ابتسمَتْ قائلةً :
ـ الصِّناعةُ يعني أن تَصْنَعَ المصانِعُ مَنتوجاتٍ...
قاطعَها :
ـ مثلُ الصَّابونِ ؟
قالتْ مُصَفِّقةً :
ـ أحسنْتَ.
سألَ و عيناهُ تلمعانِ :
ـ و الأَدواتِ الكهرَبائيَّةِ ؟
قالتْ :
ـ ممتازٌ.
سألَ :
ـ و الأقلامِ ؟
قطَبَتْ حاجبيْها و أغلقَتْ فمَهُ براحتيها، فراحَ يدفَعُ يديْها عنه، فلم ترفعْهما إلا حين قالتْ له :
ـ كفى..كفى...لقد عقدْنا اجتماعاً طارئاً لحلِّ مُشكلةٍ بيئيَّةٍ خطيرةٍ لا للإجابةِ عن أسئلتِكَ السَّخيفةِ.
صُعِقَتْ يارا لوصفِ لِيا أسئلةَ دانيال بالسَّخيفةِ، و اعترضَ سامي على هذا الوصفِ أيضاً، و برَّرَتْ يارا كثرةَ أسئلتِهِ بصُغْرِ سنِّهِ، فسُرَّ لدفاعِهما عنه، و لكنهُ كانَ خَلوقاً إذ نظرَ إلى لِيا قائلاً :
ـ لِيا تمازحُني.
فوجَدَتْ لِيا في جُملتِهِ فرصَةً للتَّخلصِ من هجومِ يارا و سامي و قالتْ :
ـ إنِّني أمازِحُهُ، فتابعي القراءةَ يا يارا.
و تابعَتْ يارا القراءةَ :
ـ اسمعوا... حتى وقتٍ قريبٍ كانَ مفهومُ التَّقدُّمِ و التَّخلفِ في أيِّ بلدٍ مُرتبطاً بقوَّةِ الدَّولةِ أو ضَعْفِها في مجالِ الصِّناعةِ.
علَّق سامي :
ـ يعني أن الدولةَ المُتقدِّمةَ هي الدَّولةُ القويَّةُ في مجالِ الصِّناعةِ، بينما الدَّولةُ المُتخلِّفةُ هي الدَّولةُ الضَّعيفةُ في مجالِ الصِّناعةِ.
كادتْ لِيا تُجَنُّ لتعليقِ سامي، و كادَتْ تقولُ لهُ إنَّه " فسَّرَ الماءَ بعدَ الجُهْدِ بالماءِ ".
و يبدو أنَّهُ رأى الغضبَ يتطايَرُ من عينيها، فراجعَ قولَهُ و وجدَهُ على جانبٍ كبيرٍ من السَّخافةِ، فأطْبقَ أهدابَهُ الحَمْراء بخَجَلٍ، لكنَّه عادَ فنظرَ إلى يارا محاولاً التَّخلُّصَ من ارتباكِهِ :
ـ أكملي.
و قرأَتْ يارا :
ـ لكنْ منذُ الثَّورةِ الصِّناعيَّةِ حتى اليومِ حمَلَتِ الصِّناعةُ أخطاراً كبيرةً على البيئةِ.
قالتْ لِيا :
ـ أمرٌ مُهِمٌّ، أكمِلي يا يارا.
و أكملَتْ يارا :
ـ فَغَرِقَ العالَمُ تحتَ أقذارِ المَصانعِ.
أخذَتْ لِيا جهازَ الكومبيوترِ المحمولَ و وضعَتْه على رُكبتيها و راحْتْ تقرَأُ :
ـ و العديدُ منا يتذكَّرُ كارثةَ مدينةِ ( بوبال ) الهنديةِ عامَ 1948.
سأل دانيال :
ـ كارِثةٌ ؟ ماذا تَعْني كلمةُ كارِثَةٍ ؟
أجابَ سامي :
ـ كارثةٌ هي مُصيبةٌ.
فسألَهُ دانيال :
ـ أنتَ زُرْتَ مدينةَ ( بوبال ) هذه الَّتي قرأَتْ عنها لِيا ؟
نظرَتْ لِيا إليه مبتسمةً ابتسامةً ساخرةً و قالتْ :
ـ زارَها، نعم زارَها عامَ 1984 طبعاً خاصَّة و أنه وُلِد عام 1997.
و قالتْ بغضبٍ :
ـ عبقريُّ زمانِكَ.
(2)
اختبأَ دانيال وراءَ سامي و برَمَ شفتيْهِ و أصدَرَ صوْتاً أَشبَهَ بمُواءِ قطَّةٍ صغيرةٍ. و قبلَ أن يقولَ شيئاً أخذَتْ لِيا نفساً عميقاً و قالتْ :
ـ اسمَعْ يا دانيال. دعْنا نقْرأْ كي نشرحَ لكَ كلَّ شيءٍ بعد انتهائِنا.
و ربَّتَتْ يارا كتفَهُ :
ـ أعدُكَ يا دانيال بأن أشرحَ لكَ كلَّ شيءٍ و لكن دعْنا نستَمِعْ.
رفعَ كتفيه قائلاً :
ـ إنَّني أُصغي.
(3)
قرأتْ لِيا :
ـ لقد أدَّى تَسَرُّبُ الغازاتِ السَّامَّةِ من مصنعِ إِنتاجِ أحَدِ مُبيداتِ الحشراتِ إلى كارثَةٍ قضَتْ على 2500 شخصٍ، و شرَّدَتْ مئاتِ الأُلوفِ، و أصابَتِ الكثيرينَ في صحَّتِهِم و أتلفَتْ عدداً كبيراً من الحيواناتِ و الزُّروعِ.
قاطعَها دانيال بخوفٍ :
ـ يعني أن المَصْنَعَ الذي يُبنى في حيِّنا سوف يؤدِّي إلى كارثَةٍ ؟
قالَتْ يارا :
ـ كلُّ المصانِعِ التي تُبنى في التَّجَمُّعاتِ السُّكانيةِ، يا دانيال، تَضُرُّ بالسُّكانِ.
قال َدانيال و قد جحَظَتْ عيناهُ أكثرَ :
ـ لكن يا يارا..إذا كانَ هذا المصنعُ سيَقضي على 2500 شَخْصٍ، فأنا و أنتِ و سامي منهم.
قالتْ لِيا :
ـ و إذا لم نكنْ منهم، كنا من المُشرَّدينَ أو المرضى إِلاَّ إذا...
نهضَ دانيال و قالَ بحماسٍ :
ـ إلا إذا رفَضْنا أن يحصُلَ معَنا ما حَصَلَ مع أهلِ مدينةِ ( بوبال ).
نظرَ الجميعُ إليه بدهشةٍ، و في تلكَ اللَّحْظةِ، خطرَ ببالِ الجميعِ أنْ يُحَقِّقوا رفضَهُم، فقالتْ لِيا :
ـ سنرفُضُ أن يحصُلَ معنا ما حصَلَ مع أهلِ مدينةِ ( بوبال ). فلنتَّجِهْ إلى حيثُ يقامُ المَصْنَعُ و لنَحْمِلْ لافتاتٍ.
سألتْ يارا :
ـ و لكن ماذا سنفعلُ ببقيةِ المَصانِعِ في المدينةِ ؟
و سألَ سامي :
ـ و ماذا نفعلُ بمحطَّاتِ الوُقودِ التي تتسرَّبُ الزُّيوتُ إلى مُحيطِها لتسمِّمَ التُّربَةَ و المياهَ السَّطْحيَّةَ و الجَوْفِيَّةَ ؟
قال دانيال :
ـ يجبُ أن نرفُضَ، بلْ أنْ نَفْرِضَ..نعم...أن نَفْرِضَ شروطاً على كلِّ المصانعِ و مَحطَّاتِ الوقودِ لئلا يصيبَنا ما أصابَ ...
قالتْ لِيا و يارا و سامي معاً :
ـ مدينةَ ( بوبال ).
رفعَ دانيال رأسَهُ و نفخَ صدرَهُ و قالَ :
ـ أحْسَنْتُم.