ثقافة و فن

تشكل الهوية الأنثوية بين سعدية مفرح ولويز غلوك

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

تُمثِّل الهُويةُ الأنثوية واحدةً من أكثر القضايا حضوراً في الأدب المعاصر، إذْ لَم تعد المرأة موضوعاً للكتابة فَحَسْب، بلْ أصبحتْ ذاتاً كاتبة تعيد تشكيلَ العالَم مِن خِلال لغتها الخاصَّة وتجربتها الوجودية الفريدة.

ومِن هذا المنطلق تتجلى أهمية المقارنة بين الشاعرة الكويتية سعدية مفرح ( وُلدت 1964 )، والشاعرة الأمريكية لويز غلوك ( 1943_ 2023/ نوبل 2020 )، بوصفهما صوتَيْن شعريين ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين، لكنَّهما يلتقيان عند سؤال الذات الأنثوية، ومُعضلة تشكُّل الهُوية في مواجهة الفقد والعُزلة والذاكرة والسُّلطة الاجتماعية.

تتأسَّس التجربة الشعرية لدى سعدية مفرح ولويز غلوك على رحلة داخلية عميقة نحو اكتشاف الذات، حيث لا تُقَدَّم المرأة باعتبارها نموذجاً جاهزاً أوْ كِياناً مستقرّاً، بلْ باعتبارها مشروعاً دائماً للتشكُّل والتحوُّل. ولهذا فإنَّ الهُوية الأنثوية في شِعرهما لَيست مُعطى نهائيّاً، وإنما بناء متجدد يتشكل عبر الألم والحُب والغياب والصراع معَ الزمن.

لا تتعامل سعدية مفرح معَ الهُوية الأنثوية باعتبارها قضية اجتماعية محضة، بلْ تجعل مِنها سؤالاً وجوديّاً يتَّصل بمعنى الكَينونة نَفْسِها. فالذاتُ في قصائدها تبدو دائماً في حالة بحث، وكأنها تسعى إلى القبض على حقيقتها وسط عالَم متغير ومضطرب. وتظهر المرأةُ في نُصوصها وهي تراقب نَفْسَها مِن الداخل، وتُعيد مُساءلةَ علاقتها بالجسد والذاكرة والوطن والحُب.

أمَّا لويز غلوك فَتَتَّخذ مِن التأمُّل الوجودي منهجاً شِعريّاً دائماً، إذْ تنطلق من التجربة الشخصية لتصل إلى أسئلة إنسانية عامَّة. المرأةُ عندها لَيست مُجرَّد شخصية شِعرية، بلْ هي كائن يُواجه هشاشته الخاصَّة أمام المَوت والفَناء والعُزلة. ولذلك تتجلى الهُوية الأنثوية في شِعرها بوصفها وعياً مأزوماً بالوجود، وسعياً مستمرّاً لفهم الذات عبر اختبار الخسارة.

إنَّ التشابه بين الشاعرتَيْن يكمن في رفضهما للهُوية الجاهزة. إنَّهما تنظران إلى الذات باعتبارها كِياناً متحركاً لا يكتمل أبداً، بلْ يتشكل باستمرار مِن خِلال التجربة والمُعاناة.

تحتل الذاكرةُ موقعاً مركزيّاً في بناء الهُوية لدى الشاعرتَيْن. في شِعر سعدية مفرح تتحوَّل الذاكرةُ إلى فضاء تستعيد فيه المرأةُ ملامحَها المبعثرة. الطفولةُ والأماكن الأُولَى والعلاقات الإنسانية تُشكِّل عناصر أساسيَّة في بناء صورة الذات. ومِن خِلال استدعاء الماضي، لا تهدف الشاعرةُ إلى الحنين فقط، بلْ أيضاً إلى إعادة تركيب الهُوية، وفهمِ جذورها العميقة.

أمَّا لدى لويز غلوك فإنَّ الذاكرة تأخذ طابعاً أكثر قسوةً وتجريداً، فهي لَيست خزينة للمشاعر الجميلة، بلْ هي مساحة لاستحضار الجِراح القديمة والخَيباتِ المتراكمة. الماضي في شِعرها لا يعود بوصفه زمناً منتهياً، بلْ قوة حاضرة تؤثر في تشكيل الحاضر، وتعيد صياغة الشخصية باستمرار.

وهكذا تصبح الذاكرةُ لدى الشاعرتَيْن أداةً أساسيَّة لإنتاج المعنى، ووسيلة لاكتشاف الذات الأنثوية في علاقتها بالزمن والتجربة.

يُعَدُّ الجسد أحد أهم مُكوِّنات الهُوية الأنثوية، غَير أنَّ حُضوره في شِعر سعدية مفرح ولويز غلوك يختلف عن الصور التقليدية التي اختزلت المرأةَ في بُعدها الجسدي.

في شِعر سعدية مفرح يظهر الجسدُ بوصفه مساحة للوعي والتجربة الإنسانية، ولَيس موضوعاً للرغبة فَحَسْب. إنَّه جسد يعيش القلقَ والحُب والانتظار، ويتحوَّل إلى لغة تكشف عن أعماق الذات. ومِن خِلال هذا الجسد تكتب الشاعرةُ تاريخَها الشخصي، وتعلن وجودَها في عالَم كثيراً ما حاولَ تهميشَ الصوت النسائي.

أمَّا لويز غلوك فتتعامل معَ الجسد بطريقة أكثر فلسفية وتأمُّلاً. الجسدُ عندها علامة على هَشاشة الإنسان وفَنائه، وهو في الوقتِ نَفْسِه وسيلة لفهم العلاقة بين الحياة والموت. لذلك لا يبدو الجسدُ في قصائدها مجالاً للاحتفاء بِقَدْرِ ما يصبح مجالاً للتساؤل والتأمُّل الوجودي.

ومِن هُنا يتجاوز الجسدُ لدى الشاعرتَيْن حدودَ البيولوجيا ليصبح عُنصراً مركزيّاً في تشكُّل الهُوية الأنثوية. 

تُشكِّل العُزلةُ تجربة مِحورية في شِعر سعدية مفرح ولويز غلوك، غَير أنَّ هذه العُزلة لا تُقَدَّم بوصفها حالة سلبية، بلْ باعتبارها فُرصة لاكتشاف الذات، وإعادةِ بنائها.

في قصائد سعدية مفرح تبدو العُزلةُ مساحةً للتأمُّل وإعادةِ النظر في العلاقات الإنسانية. المرأةُ المنعزلة لَيست مهزومة، وإنما تحاول استعادةَ صوتها الخاص بعيداً عن ضجيج العالَم. لذلك تتحوَّل الوَحدةُ إلى شكل من أشكال المقاومة الهادئة.

أمَّا عند لويز غلوك فإنَّ العُزلة تَحمل بُعداً وجوديّاً أكثر حِدَّة. إنَّها مُواجهة مباشرة معَ النَّفْسِ، وأسئلةِ الحياة الكُبرى. ومِن خِلال هذه المواجهة تتكشف طبقات الهُوية العميقة، وتتَّضح هشاشةُ الإنسانِ وقوته في آنٍ واحد.

والعُزلةُ لدى الشاعرتَيْن لَيست هُروباً مِن العالَم، بلْ هي وسيلة لفهمه، وفهمِ الذات داخله.

تلعب اللغةُ دَوراً حاسماً في تشكيل الهُوية الأنثوية لدى الشاعرتَيْن. إنَّهما لا تكتبان عن المرأة فقط، بلْ تكتبان مِن داخل تجربتها الخاصَّة.

تميل سعدية مفرح إلى لغة شفَّافة تَجمع بين البساطة والعُمق، حيث تتداخل اليومياتُ معَ التأملات الوجودية. وتمنح هذه اللغةُ للذات الأنثوية مساحةً للتعبير الحُر عن مشاعرها وأسئلتها دون افتعال أوْ خَطابية. 

أمَّا لويز غلوك فتتميز بلغتها المُكَثَّفَة والدقيقة التي تعتمد على الاقتصاد التعبيري، والبُعدِ الرمزي. ومِن خِلال هذه اللغة تنجح في تحويل التجارب الفردية إلى رؤى إنسانيَّة شاملة.

 

المجلة غير مسؤولة عن الآراء و الاتجاهات الواردة في المقالات المنشورة

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا